ينحصر علم الإحصاء لدى البعض في جداول وأرقام صماء، يراها كثيرون أقرب للألغاز واللوغاريتمات، فيما يراها آخرون محملة بدلالات وإشارات ورؤى قد تسهم في صناعة المستقبل. تبرز وجهة النظر الأخيرة، حين يخرج هذا العلم إلى الشارع بحلة حيوية ومفردات قادرة على التعايش والتأثر والتأثير في محيطها الحياتي.
نعم، لعلم الإحصاء القدرة على أن يقدم نفسه وسيلة قياس وربما من العوامل المساعدة في حوكمة كثير من الظواهر الاجتماعية، بل والسياسية أحياناً، على هذا النحو، يخرج «الإحصاء» من سمته الأكاديمي المثقل بالقواعد النظرية والأبعاد العلمية، ليشكل خريطة طريق للمجتمع قد تحميه من مخاطر تهدده، وتمنحه القدرة على استغلال ملكاته، وتوظيف طاقاته في اتجاه التقدم والنمو.
في هذا الصدد يلوح سؤال: هل يمكن لعلم الإحصاء أن يخدم السياسة؟ بالأحرى هل يمكن لصناع القرار السياسي أن يستخدموا علم الإحصاء بطريقة إيجابية لتحقيق المصلحة العامة، أو بطريقة سلبية لمواءمات حزبية أو حسابات خاصة؟ بالطبع هذا وارد، وهو ما يطرحه باستفاضة وعمق ويحذر منه أستاذ الإحصاء بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة «القاهرة» الدكتور ماجد عثمان، وزير الاتصالات المصري سابقاً، في كتاب جديد أصدره تحت عنوان «الإحصاء والسياسة: بين قوة الأدلة وسطوة السلطة»، حيث يسعى من خلاله لتجسير الفجوة بين الإحصاء والسياسة، ويطرح من خلال فصوله التسعة الأبعاد المختلفة لعلم الإحصاء ومجالات استخدامه، انطلاقاً من أسئلة مبدئية حول «ماذا يقدم الكتاب، ولماذا، ولمن يتوجه»، ليقدم بعد ذلك إطاراً تنظيمياً لعلاقة الإحصاء بالسياسة في إطار نظري، من خلال سلسلة القيمة الإحصائية، التي تستتبع إجراءات محددة تبدأ بجمع البيانات ثم وصف وتلخيص البيانات، وتحليلها، ثم إتاحة وتداول المعلومات، ثم اتخاذ القرارات، وصولاً للمرحلة الأخيرة ممثلة في صنع السياسات المبنية على القرائن.
ويورد الكتاب أبعاداً مختلفة للتفاعل بين الإحصاء والسياسة مثل قياس وتحليل الوقائع، وقياس وتحليل المدركات، والمزج بين الوقائع والمدركات، كما يستعرض بطريقة موسعة الاعتبارات الأخلاقية والقانونية التي تحكم العلاقة بين الإحصاء والسياسة، ويعرج في فصل آخر على خطورة المعلومات المضللة والمعلومات الخاطئة، وأشكال تسييس الإحصاءات، والسرديات الإحصائية المتناقضة التي يطرحها تحت عنوان فرعي «للحقيقة أكثر من وجه».
انطلاقاً من خبرته النظرية بصفته أستاذاً أكاديمياً متخصصاً في علم الإحصاء بكلية «الاقتصاد والعلوم السياسية» بجامعة «القاهرة»، ومن خبرته العملية، بصفته رئيساً لـ«مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار» التابع لمجلس الوزراء المصري، ومن بعد ذلك بصفته وزيراً للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والرئيس التنفيذي لـ«المركز المصري لبحوث الرأي العام» (بصيرة)، ورئيس مجلس إدارة «الشركة المصرية للاتصالات»، يقدم مؤلف الكتاب الدكتور ماجد عثمان مصطلحات جديدة في مجال الإحصاء، في سعيه إلى حوكمة العمل الإحصائي، وضمان استقلاليته ليؤدي الغرض منه، وهو رصد الوقائع والظواهر عبر استطلاعات الرأي وغيرها من الوسائل، حتى الخروج بمدركات هي نتائج هذا الرصد، انتهاء بوضع السياسات وتحديد الأولويات.
ومن المفاهيم الجديدة التي ينحتها المؤلف في هذا الكتاب للربط بين النظرية والتطبيق «التفكير الإحصائي» و«السردية الإحصائية»، وهي مفاهيم لم يرد ذكرها في الأدبيات العربية المرتبطة بعلم الإحصاء، على حد تعبير المؤلف.
ويحذر الكتاب من أن عدم حرص المؤسسات الوطنية على تطبيق المعايير الأخلاقية والتراخي في تطبيق التشريعات المتعلقة بالعمل الإحصائي، يؤدي إلى عدم ثقة المجتمع في الإحصاءات التي تصدرها المؤسسات الحكومية وغير الحكومية، مما يتسبب في معاناة المجتمع من طمس الحقائق وخلق مناخ خالٍ من القرائن التي يمكن الاعتماد عليها في صياغة سياسات رشيدة ناجحة، ويؤدي هذا الطمس إلى إشاعة حالة من عدم التأكد وعدم الثقة، ما يؤدي بدوره إلى خسارات جماعية للعاملين بالسياسة والعاملين بالإحصاء والمجتمع بشكل عام.
وحرص الكتاب على تأكيد العلاقة بين حوكمة العمل الإحصائي واستقلاليته، وضرب أمثلة عملية بنحو 20 دولة، والدور الذي لعبه الإحصاء في تشكيل وتنفيذ سياساتها سلباً وإيجاباً كأمثلة عملية على العلاقة المباشرة والكاشفة لدور الإحصاء في العلوم الاجتماعية، وعلاقته بالسياسة على وجه الخصوص.
الشرق الأوسط